عماد الدين خليل
112
دراسة في السيرة
بنفيه بعيدا في منقطع الصحراء ، وفي الحالتين كان صوته سيصل ، مجتازا الحواجز والعوائق ، ومن ثم فإن رأيا بقتله وتفريق دمه بين القبائل هو الذي حاز الموافقة والإعجاب . إنهم إن استطاعوا قتل الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فقد استطاعوا قتل الدعوة التي لم تستكمل أسبابها بعد . . وإن طالبتهم بنو هاشم بدمه فسيشيرون إلى العشائر جميعا وإلى سيوف أبنائها حيث تقطر دماء الرسول ! ! ويجيء أمر اللّه يحمله الوحي إلى الرسول : تحرك يا محمد . كانت تلك هي الإشارة التي ينتظرها الرسول صلى اللّه عليه وسلم بفارغ الصبر ، لكن شوقه للهجرة ، وتحرقه لأن يضع خطواته على الأرض الموعودة حيث أصحابه القدامى والجدد ينتظرونه على أحرّ من الجمر . . ورغم يقينه الكامل بأن اللّه معه يرعاه ، ويسدّد خطاه ، فإنه لم يتعجل الحركة ، ولم يرتجل الخطوات . كان عليه أن يخطط للهجرة ، مستخدما كل ما وهب من إمكانات الفكر والبصيرة والإرادة . . لأنه بهذا وحده يستحق نصر اللّه ووعده . . وإلا فلأي شيء منحنا اللّه بصائر وعقولا وحرية وقدرة على التحرك والتخطيط ؟ وما أبرع البرنامج الذي رسمه رسولنا صلى اللّه عليه وسلم من أجل أن يصل إلى الهدف بأكبر قدر ممكن من الضمانات ! ! انتقى من بين أصحابه أول اثنين أسلما في تاريخ الدعوة : أبا بكر وعليا رضي اللّه عنهما ، واستبقاهما لكي يؤديا الأدوار التي رسمت لهما في حركة الهجرة . أما علي فلكي يؤدي مهمة مزدوجة . . الإيهام ورد الأمانات إلى أهلها ، وقال له الرسول صلى اللّه عليه وسلم « نم على فراشي ، وتسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر ، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم » « 1 » . ورب قائل يقول : إن وراء الهجرة هدفا أكبر بكثير من التمسك بجزئيات أخلاقية قد يسمح الظرف الخطير بتجاوزها . لكن منطق رسول الإسلام شيء آخر . . ما الفرق بين الإسلام وبين المبادئ الآخرى إذا كان هو متأسيا بها في تخليه عن أخلاقياته في ساعات المحنة والخطر ؟ وماذا سيقول المشركون لو غادر ( الأمين ) مكة دون أن يردّ إليهم أمانتهم ، ؟ ما أسرع ما يمكن أن يتهموه ، حيث يأكلهم الغيظ : الأمين تحول إلى سارق ، وضاعت الأمانة . . وحاشاه ! أما أبو بكر فقد اختير ليكون رفيق النبي وأخاه في هجرته . . تسلل إليه
--> ( 1 ) ابن هشام ص 121 الطبري : تاريخ 2 / 372 .